الفيض الكاشاني
267
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
للذات المقدّسة الإلهية بتنزيهه عمّا لا يليق بجنابه أبلغ تسبيح وتقديسه أشدّ تقديس ويقول : كما أني ربك يا محمد فإني ربّ الملائكة الذين من جملتهم من يأتيك بالوحي من عندي ، وربّ الروح الذي يسدّدك بإذني ، وإنك كنت تحتاج إلى مربوبي هذين في بلوغك هذا المقام الذي لن يبلغاه ، فما أحرى بك ألا تقصد ما فوقه ولا تتمنّاه ! ويقول أيضا : لولا ما كان من سبق الرحمة الغضب وغلبة الأسماء الجمالية الأسماء الجلالية ، لما كان لك أن تصل إلى ما وصلت وتنال ما نلت . فلمّا تنبّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لذلك واستشعره ، فعند ذلك طلب العفو من اللّه سبحانه عمّا كاد يقع فيه مما ليس له ، وبالجملة لما بلغ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الموقف الذي ما وقفه غيره كان بمحلّ أن يخطر بباله ما فيه ضيره بأن يذهل عن البشرية بما كان قد بقي فيه من البغية ، فكان بالحري أن ينبّه دون وقوعه في ذلك على أنّ فوقه ما هو منزّه عما هنالك ، فقيل له ما قيل ، فطلب العفو من اللّه الجليل . و « ألقاب » المقدار ، و « سية القوس » بكسر المهملة قبل المثنّاة التحتانية المخفّفة : ما عطف من طرفيها ، وهو تمثيل للمقدار المعنوي الروحاني بالمقدار الصوري الجسماني والقرب المكاني بالدنوّ المكاني ، فسّر الامام عليه السّلام مقدار القوسين بمقدار طرفي القوس الواحد المنعطفين ، كأنّه جعل كلّا منهما قوسا على حدة ، فيكون مقدار مجموع القوسين مقدار قوس واحد ، وهي المسماة بقوس الحلقة ، وهي قبل أن تهيّأ للرمي ، فإنها حينئذ تكون شبه دائرة ، والدائرة تنقسم بما يسمّى بالقوس ، وفي التعبير عن هذا المعنى بمثل هذه العبارة إشارة لطيفة إلى أنّ السائر بهذا السير منه سبحانه نزل وإليه صعد ، وأنّ الحركة الصعودية كانت انعطافية ، وأنّها لم تقع على نفس المسافة النزولية بل على مسافة أخرى كما مضى تحقيقه في حديث إقبال العقل وإدباره ، فسيره كان من اللّه وإلى اللّه وفي اللّه وباللّه ومع اللّه سبحانه . « فكان بينهما حجاب » وهو حجاب البشرية « يتلألأ » لانغماسه في نور الربّ تعالى « بخفق » أي باضطراب وتحرّك ، وذلك لما كاد أن يفنى عن نفسه بالكلّية في نور الأنوار بغلبة سطوات الجلال « وقد قال : زبرجد » أي قال : حجاب زبرجد ، يعني أخضر ، وذلك لأن النور الإلهي الذي يشبه لون البياض كان قد شابته ظلمة بشرية فصار يتراءى كأنّه أخضر على لون الزبرجد . « فنظر » أي من وراء الحجاب « من لأمّتك » إنما سأله عن ذلك لأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان قد